حسن الأمين
287
مستدركات أعيان الشيعة
العالي أن يؤيده في حكومة عكا لمدة حياته ، وعلى أن يكون لأولاده من بعده الحكم فيها ، كما زاد على ذلك الرغبة في أن يقيمه الباب العالي حاكما على الناصرة ، وطبرية وصفد ، ثم شيخا على كافة بلاد الجليل إلى جانب شياخته على عكا . وكان في هذه الظروف أن وعد علي بك الكبير من مصر ، على نحو ما تقدم ، بإرسال الامدادات إلى حليفه في عكا . علي بك وفتح بلاد العرب على أنه قبل إرسال الامدادات إلى الشام ، تحول انتباه علي بك نحو بلاد العرب ، فقد رأى في اختلال الأحوال في الحجاز ، وعجز الدولة العثمانية عن تأييد سلطانها في هذه الأصقاع النائية فرصة سانحة لتوسيع أملاكه . فقد سبق أن زار بلاد العرب ووقف على أهمية جدة ومخا التجارية ، كما يبدو أنه كان متأثرا لدرجة ما في مشروع فتح بلاد العرب بآراء التاجر البندقي ، كارلو روسيتي CarlORossettI ، وكانت له صداقة وثيقة مع علي بك وتأثير عليه ( 1 ) فأراد علي بك أن يجعل جدة مقر تجارة الهند فيحول بهذا العمل التجارة الشرقية من طريق رأس الرجاء الصالح إلى الطريق البري القديم عبر مصر كما ذكر ( فولني ) ( جزء أول ص 98 ) ، ولو أنه من المحتمل أن علي بك إنما قصد أيضا من هذه الحملة إحراز المجد والشهرة بالاستيلاء على الحرمين الشريفين ، أو مجرد إشباع الرغبة في امتلاك الأقاليم الواسعة ولما كان « غرضه الباطني » كما كتب الجبرتي ( ج 1 : ص 253 ) « هو طمعه في الاستيلاء على الممالك » . وعلى كل حال فقد جاء إلى مصر في عام 1770 الشريف عبد الله ، وكان في نزاع مع ابن عمه الشريف أحمد على إمارة مكة ، يطلب المعونة من علي بك ، مهيئا له الفرصة بذلك لتحقيق مشروعاته . فما أن استتب لعلي بك الأمر في مصر ، واطمان على حليفه الشيخ ظاهر الذي أرسل له الرسل بانتصاراته على والي الشام حتى طفق يستعد لحملة بلاد العرب ، وعند ما كملت هذه الاستعدادات ، خرجت التجريدة في شهر صفر من سنة أربع وثمانين ومائة وألف ( مايو : 1770 ) . وقد قسم علي بك قواته إلى قسمين أحدهما بقيادة محمد بك أبو الذهب ومهمته مهاجمة البلاد الداخلية ، والآخر بقيادة إسماعيل بك ومهمته مهاجمة المدن الساحلية ، كما أعد أسطولا من السفن لنقل المؤن والذخائر للجيوش ، ونجحت التجريدة فانتصر الفاتحون في يتبع وقتل وزيرها المتولي من طرف شريف مكة ، ودخل أبو الذهب مكة وأوقع بالشريف أحمد هزيمة بالغة ففر هاربا ، وجلس الشريف عبد الله في إمارة مكة ونزل حسن بك إلى بندر جدة ( ولذلك سمى بالجداوى ) وتولى أمارتها عوضا عن الباشا الذي تولاها من طرف السلطان العثماني . ورجع القائدان إلى مصر في أكتوبر من السنة نفسها . وقد أعطى الشريف عبد الله ، علي بك ، لقب « سلطان مصر وخاقان البحرين » . ( 2 ) الحملة على الشام وهكذا قويت شوكة علي بك وشجعه نجاحه في الصعيد ثم في الحجاز على المضي في مشروعاته ، وقد أراد الآن بسط سلطانه على « العالم » وبخاصة عندما كان البك يصغي كثيرا لأفراد حاشيته الذين لمسوا فيه الغرور ، فطفقوا يحدثونه عن قوته وجبروته ، وكيف أنه يماثل السلطان العثماني في الآستانة في الجاه العريض والسلطنة ، حتى أصبح المملوك الكبير يمني نفسه بفتح تركيا ذاتها . وكان مما سهل عليه الاقتناع بإمكان ذلك « جهله بالجغرافية » - على حد قول فولني - ثم العادة التي جرى عليها اتباعه وأعوانه من تشبيه مصر بتركيا ، وكان من المنتظر لذلك أن يذكر علي بك وعده السابق لحليفه الشيخ ظاهر ! ولو أنه على ما يبدو لم يكن غرض علي بك مجرد نجدة حليفه ومساعدته وإنما الاندفاع في طريق الفتح لمصلحته ، وإخضاع بلاد الشام كخطوة أولى تمهد في النهاية لغزو تركيا وفتحها ، فالشام قريبة من مصر ، ومن شان ثورة حليفه ظاهر واضطراب الأحوال في سوريا منذ أن تذمر أهلها خاصة من التكاليف التي فرضتها عليهم حروب والي دمشق مع الشيخ ظاهر ، ثم مشغولية القوات العثمانية في النضال المستمر بين الدولة وروسيا ! فقد كان من شان ذلك كله أن يجعل غزو بلاد الشام سهلا ميسورا . وقد وجد علي بك وهو مقدم على ذلك الغزو أن ينشئ الصلات السياسية مع روسيا عدوة العثمانيين الكبرى ، ويسعى لمحالفتها . وكان للعلاقات التي أوجدها علي بك مع روسيا بعض الأثر في الحوادث التالية . ذلك أنه كان من خطة قيصرة روسيا كاترين الثانية في حربها مع الدولة العثمانية إثارة شعوب البحر الأبيض الخاضعة للحكم العثماني ضد الباب العالي ، وتحقيقا لهذا الغرض ، خرج الأسطول الروسي إلى البحر الأبيض ، وكان للكونت ألكسيس أرلوف ( AlexisArloW ) القيادة العليا ، فاستولى الأسطول على جزر الأرخبيل وتجول في مياه البحر الأبيض ( 1770 - 1771 ) ، وكان ( أرلوف ) ببحريته مستعدا لتلبية نداء أعداء السلطان العثماني ومعاونتهم ، وقد طلب علي بك هذه المعاونة في أثناء حملته على سوريا . ولم يكن من المتعذر على « سلطان مصر » تلمس الأسباب لارسال الجيوش على الشام ، فهو منذ مارس 1767 كان قد كتب إلى الباب العالي يشكو من « عثمان بك ابن العظم والي الشام » ، ويطلب عزله بسبب انضمام بعض المصريين المطرودين إليه ومعاونته لهم ، واستطاع علي بك بسبب تذمر أهل الشام من ولاية عثمان هذا أن يظهر الآن بمظهر المحرر لهم من طغيان واليهم . وبالفعل أصدر منشورا في ديسمبر 1770 ، أعلن فيه أنه لما كان المولى سبحانه وتعالى قد بارك جيشه وأغدق عليه نعماءه - بانتصار جنده ولا شك في الحجاز والاستيلاء على الحرمين الشريفين - فهو مضطر إلى استخدام هذه القوات لتخفيف ويلات أهل الشام والقضاء على طغيان عثمان باشا في سوريا . وأما الجيش الذي أرسله بقيادة محمد بك أبي الذهب للزحف على الشام بطريق الصحراء فقد بلغ الأربعين ألفا ، بينما رتب في الوقت ذاته سفنا لنقل الميرة من دمياط إلى عكا . وأحرز جيش المماليك جملة انتصارات ، فوصل أبو الذهب أمام غزة في مارس 1771 وفتحها ، ثم استولى على الرملة بعد حصار شهر تقريبا ، ثم حاصر نابلس حتى أنهكتها المجاعة ففتحت أبوابها ، ثم تقدم صوب بيت المقدس ، فلم يخلصها سوى اتفاق شيوخها وكبرائها على تسليمها له سلما إذا سقطت دمشق في قبضته ، فانصرف عنها واتجه صوب يافا واستولى عليها ، ثم ذهب إلى عكا حيث قوبل بكل حفاوة ، وقد لقي أبو الذهب في أثناء هذه الحملة كل تعضيد ومعاونة من الشيخ ظاهر الذي ساعده بالنصح تارة وبالامدادات تارة أخرى ، حتى اضطر العثمانيون إلى القهقرى ووجد عثمان باشا السلامة في الهرب ، واستفاد الشيخ ظاهر بدوره من هذه الانتصارات التي ساهم فيها فائدة كبيرة فدانت له يافا والرملة واللد . وأما أبو الذهب فقد استطاع أن يفتح صيدا أيضا ، قبل الزحف بالاشتراك مع جند
--> ( 1 ) . 105 . Bruce . volI . P ( 2 ) 231 . Savary . t . II . Lettre XVI . p